2 ـ القافية

الوزن والقافية مكونان أساسيان في الشعر القديم، إلى درجة أن معظم تعاريف الشعر العربي تؤكد على ضرورة حضورهما في حده  وتعريفه، وإذا فقدهما لا يسمى شعراً: "فالقافية شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر ولا يسمى شعراً حتى يكون له وزن وقافية".

عرفت القافية تعريفات مختلفة من طرف النقاد والعروضيين، ولا يهمنا التوقف عند كل تعريف على حدة، لذلك نكتفي بالإشارة إلى
تعريفين شائعين:

الأول: للخليل بن أحمد الفراهيدي الذي يعرفها كالتالي: القافية من آخر حرف في البيت إلى أول ساكن يليه من قبله، من حركة الحرف الذي قبل الساكن. وهذا التعريف هو الثابت في كتب العروض.

الثاني: والتعريف الثاني لثعلب ويجد القافية في الحرف الذي يتكرر في آخر كل بيت من أبيات القصيدة أي حرف الروي، وهذا هو المفهوم الشائع للقافية.

لم تحظ القافية باهتمام النقاد العرب والمستشرقين، وركز العروضيون عليها  كعنصر عروضي منفصل عن النص الشعري بمكوناته وعناصره الأخرى كالصوت والمعجم والتركيب والدلالة…..

وقد أدى  تقصير النقاد والعروضيين في دراسة مختلف الوظائف التي يمكن أن تؤديها القافية في الخطاب الشعري إلى ندرة الدراسات الجادة التي يمكن للمحلل أن يستفيد منها"

وأمام هذا الفراغ لا يسع المحلل إلا أن يستعين ببعض الدراسات الغربية التي حاولت أن تحدد مختلف الوظائف التي تحققها القافية في الخطاب الشعري: فقد تكون الوظيفة جمالية أو دلالية أو سيميائية، مع تحديد دورها في الإيقاع وعلاقتها بكل العناصر المكونة للنص الشعري.

ـ قافية القصيدة ميمية مطلقة، ولابد في البداية من التوقف عند هذين العنصرين: حرف القافية وحركتها.

ـ نسبة شيوع حرف الروي:

يعتبر روي القصيدة من أكثر الحروف شيوعاً كقافية ، وقد صنف الدكتور إبراهيم أنيس حرف الروي حسب نسبة شيوعها إلى أربعة أقسام:

"ـ حرف تجيء روياً بكثرة وإن اختلفت نسبة شيوعها في أشعار الشعراء وتلك هي: الراء. اللام. الميم. النون. الباء. الدال. السين. العين.

ـ حروف متوسطة الشيوع وتلك هي: القاف. الكاف. الهمزة. الحاء. الفاء. الياء. الجيم.

ـ حروف قليلة الشيوع:  الضاد. الطاء. الهاء. التاء. الصاد (التاء).

ـ حروف نادرة في مجيئها روياً: الذال. الغين. الخاء. الشين. الزاي. الظاء. الواو".

فحرف القافية إذن، من أكثر الحروف التي تجيء روياً في الشعر العربي، ويضاف شيوعها فيه إلى شيوع البسيط الذي تنتمي إليه القصيدة على المستوى العروضي وهكذا يحافظ المتنبي على الثوابت الإيقاعية في الشعر العربي على مستوى شيوع الوزن والقافية، والميم باعتبارها قافية تحتل المرتبة الثانية بعد اللام في شعر المتنبي.

ـ الوظيفة الصوتية للقافية:

إن القافية قبل كل شيء عنصر صوتي، شأنها في ذلك شأن الوزن "فهما بنية فوقية يقف تأثيرها عند المادة الصوتية وحدها" كما يرى كوهن، ولعل ما يميزها هو تكرارها المنتظم في نهاية كل بيت "لتملي علينا الرجوع إلى السطر" حسب التعبير الشهير لأراغون، وهذا التكرار المنتظم يقدمها "كمثال واحد  على الإعادة الصوتية"، لكن دور القافية لا ينحصر في المستوى الإيقاعي محدداً في التكرار الصوتي، بل يتجاوزه إلى دور إيقاعي تقوم به في النص الشعري"، ويمكن تحديد عناصر جمال القافية في وظائف وصفات  مختلفة من بينها "وظيفتها الوزنية باعتبار أن القافية تشير إلى ختام بيت الشعر".

إن هذا الدور الذي تؤديه القافية  يكتسي خاصية جمالية، لأنه يعلن نهاية الإنشاد، ليمنح الشاعر نفساً فيزيولوجياً لمواصلة عملية الانشاد من جديد، وهذه الوظيفة لا تعتبر جديدة فقد ركز عليها أغلب الذين تعرضوا  لها في النقد العربي القديم.

تأسيساً على ماسبق،  نؤكد على أن روي الميم كصوت، يمتلك خصائص وصفات متعددة (الجهر، الغنة، من أشباه أصوات اللين ـ حرف
شفهي
……..)، وهي عناصر ذاتية تمنحه مقومات تنسجم مع التناقض الوجداني الذي يعيشه الشاعر، ومع مقصديته، وبذلك يساهم في تعضيد جنائزية القصيدة، وسلبية  محاورها الدلالية، ولابد من الإشارة إلى ملاحظة مهمة في هذا السياق وهي أن  انتماءه لأشباه أصوات اللين ذو دلالة "فقد وجد المحدثون  أن اللام والنون والميم تحتل القمم في بعض الأحيان مثلها في ذلك، مثل أصوات اللين. ولهذا اعتبروا أصوات اللين ومعها اللام والميم والنون أصواتاً مقطعية لأنها هي التي تحدد المقاطع الصوتية في الكلام".

وتأسيساً على ماسبق فإن الميم باحتلالها القمم كما دلت على ذلك التجارب الصوتية، ملائمة للتعبير عن انفعال الشعر الذي لا حدود له، لحظة الإنشاد وبعدها، ولا شك أن المتنبي استغل هذه الخاصية ليعبر عن أحاسيسه المتناقضة تجاه سيف الدولة وتجاه خصومه.

الوظيفة السيميائية:

ـ يقول يوري لوتمان: "إن  وجود علاقة بين الكلمات التي تتكرر على أنها قواف على مستوى التعبير، يجعلنا نفترض حضور علاقات محددة للمضمون، تقوى جانبها السيميائي".

انطلاقاً من الفرضية السابقة يمكن أن نقسم القافية إلى أصناف مختلفة على المستوى السيميائي:

ـ المستوى الأول:

سقم ـ نعم ـ علم ـ ورم ـ قدم ـ صمم ـ حرم ـ علم ـ أمم ـ ألم ـ ذمم ـ ندم ـ عجم ـ كلم. [ذم].

المستوى الثاني:

واللمم ـ والحكم ـ والظلم ـ والندم ـ والقلم ـ والأكم  ـ والكرم  ـ والهرم ـ والرخم ـ [وفَمُ].

المستوى الثالث:

الأمم ـ الشيم ـ البهم ـ الهمم ـ الديم ـ الدسم.

المستوى الرابع:

نقتسم ـ ويختصم ـ ويبتسم ـ يلتطم ـ

المستوى الخامس:

انهزموا

المستوى السادس:

هم.

انطلاقاً من التصنيف السابق للقافية تبعاً للوحدات المعجمية التي تنتمي إليها، يمكن الإشارة إلى الاستنتاجات التالية:

ـ إن كل مجموعة تجمع بينها عناصرمشتركة، وخصائص متشابهة، إما على مستوى البناء الصوفي أو الوظيفة النحوية أو طبيعة العلاقة التركيبية بالإضافة إلى التوازي على المستوى العروضي.

ـ إن التشابه السابق على عدة مستويات يحقق في النص انسجاماً  على جانب كبير من الأهمية، لأنه يأسر انتباه المتلقي ويفتنه برتابته الجميلة، رغم عدم خضوعها لترتيب معين ومضبوط في القصيدة.

ـ التجانس على المستويات السابقة ما عدا الدلالة، يؤلف بين وحدات معجمية تنتمي إلى حقول دلالية مختلفة، ويوهم المتلقي بانتمائها إلى حقل دلالي واحد.

ـ الوظيفة الدلالية:

إن وظيفة القافية لا تنحصر في الجانب الصوتي أو السيميائي، بل تتجاوزها إلى الدلالة، ولذلك ركز بعض الباحثين على ضرورة دراسة علاقتها بالمعنى.

يقول جان كوهن: "… فالقافية تحدد في علاقتها بالمدلول، سواء كانت هذه العلاقة موجبة أو سالبة فهي في جميع الأحوال علاقة داخلية،  ومكونة لهذا المقوم. ويجب أن تدرس  القافية داخل هذه العلاقة".

ويلح على نفس الفكرة في موضع آخر من كتابه: "إن القافية ليست أداة أو وسيلة تابعة لشيء آخر، بل هي عامل مستقل، صورة تضاف إلى غيرها، وهي كغيرها من الصور لا تظهر وظيفتها الحقيقية إلا في علاقتها بالمعنى" وقد أكد يوري لوتمان بدوره على ضرورة ربط التكرارات الصوتية ـ والقافية أحدها ـ بالبنية الكلية للنص.

وإذا عدنا إلى قصيدة المتنبي نلاحظ أن القافية محددة في روي الميم، لا يمكن عزلها عن دلالة النص، فعلى المستوى الصوتي تنسجم خصائص الميم الصوتية وصفاتها مع مقصدية الشاعر، وإحساسه السلبي محدداً في التناقض الوجداني، وإذا تجاوزنا هذا المستوى، نلاحظ أن الوحدات المعجمية التي تنتمي إليها القافية تحيل على  الدلالة السلبية  التي تميز المحاور الدلالية للنص، ويمكن أن نمثل لذلك بما يلي:

تحيل الكلمات على السلبية المطلقة التي تظهر في:

 سقم ـ ورم ـ صمم ـ ألم ـ ندم ـ يصم ـ عدم ـ الظلم ـ الهرم ـ يختصم ـ يلتطم ـ

ـ وتحيل على الحرب: البهم..

ـ وتحيل على الرحيل: الرسم..

ـ وعلى الكتابة: القلم… الخ…………

المهم أن الكلمات التي تنتمي إليها القافية تحيلنا على نفس الدلالات التي تحيل عليها القصيدة، وهذا يؤكد علاقتها الوطيدة بالمعنى، وإذا أخذنا بتعريف الخليل لها، فإن هذه الفرضية ستزداد أهمية، لأن هذا التعريف سيتيح للوحدات  المعجمية الفرصة لتصبح قافية، بشكل تام أو جزئي.

المعجم:

يشكل المعجم عنصراً أساسياً في النص الشعري، حتى إن يوري لوتمان:Iauri Lotman اعتبره "المستوى الأساسي في البنية الكلية للنص الفني" إلا أن ذاك لا ينفي مطلقاً علاقته القوية والبنيوية بباقي مكونات أي نص شعري، فلا يمكن تصور معجم مستقل عن التركيب والدلالة والصوت، فحضور هذه العناصر نجدها في مختلف تعاريفه، فالوحدات التي تشكله  تتصف بخصائص سيميائية وصوتية وتركيبية. إلا أن المشكل الذي يطرح على المستوى النظري هو: هل يمكن اعتبار المعجم نظاماً من أنظمة اللغة،كما هو الشأن بالنسبة للنظام الصوتي والصرفي والنحوي؟.. يحاول الدكتور تمام حسان الإجابة عن هذا السؤال، مؤكداً في البداية أنه لكي يصبح المعجم نظاماً لابد له من التوفر على ثلاثة عناصر تنسب للأنظمة السابقة وهي:

"ـ العلاقة العضوية والقيم الأخلاقية بين المكونات.

ـ الصلاحية للجدولة ـ (أي أن يوضع في صورة جدول).

ـ عدم إمكان الاستعارة من لغة إلى لغة"

وبعد مناقشته لإمكانية توفر المعجم على كل عنصر من العناصر السابقة، يستنتج أن المعجم لا يمكن أن يكون نظاماً من أنظمة اللغة لأنه لا يتوفر علىمقومات النظام.

إن إثارة هذا المشكل على المستوى النظري ليست اعتباطية ولا مجانية، ولكنها تنطلق من وعي منهجي مسبق بالصعوبة التي تصادف المحلل عند تعامله مع المعجم في النص الشعري، لسبب سبقت الإشارة إليه وهو أنه  لا يشكل نظاماً كالصوت والصرف والنحو، فهذه المستويات تضبطها ومواصفات  نظرية محددة تسمح بالتحكم في حضورها حتى في الشعر أما المعجم فلا تضبطه قواعد معينة، الشيء الذي يفسح المجال للتعامل معه على أنه قائمة من الكلمات: "وإذا لم يكن المعجم كما رأينا نظاماً من أنظمة اللغة لأنه لا تتوافر له مقومات النظام فلابد أن يكون منهج المعجم متجهاً إلى دراسة "قائمة" من الكلمات تشتمل على جميع ما يستعمله المجتمع اللغوي من مفردات".

1 ـ المستوى الموضوعاتي : المعجم / قائمة:

إن تصنيف المعجم انطلاقاً من المستوى الموضوعاتي يهدف  إلى القبض على  المكونات الدلالية الأساسية للنص، ولتحقيق هذا الهدف سنوظف تقنية المعجم/ قائمة. وذلك بإحصاء الوحدات المعجمية وتصنيفها حسب الدلالة التي تحيل عليها. ولابد من التركيز على ملاحظة منهجية مهمة تتمثل في سلبيات المعجم قائمة. وأهمها:

"إن هذه الطريقة الإحصائية خادعة إذ تعزل الكلمات عن سياقها وتتعامل معها كشيء، فاقد للتواصل مع ما يتقدمه وما يلحقه" . وقد يترتب على ذلك أحياناً استنتاجات خاطئة، ومناقضة لدلالة النص، فـ"كل وحدة سيميائية معزولة في اللغة العادية لا تدخل في اللغة الشعرية إلا لتأدية وظيفة سيميائية معقدة". ومع ذلك فإن تقنية المعجم/ قائمة تسهل على المحلل تحديد المحاور الدلالية للنص خصوصاً إذا كانت الوحدات المعجمية التي تحقق ذلك تتكرر في اتجاه منحى موضوعاتي ودلالي معين.

انطلاقاً من المعجم/ قائمة يمكن تصنيف القصيدة إلى المحاور التالية:

ـ الإحساس السلبي: واحر قلباه ـ قلبه شبم ـ أكتم حباً ـ تدعي حب ـ حالي عنده سقم ـ وجداننا كل شيء بعدكم  عدم ـ أسف ـ عتاب ـ

ـ المدح بالنصر في الحرب : ومكوناته هي:

ـ السيف: سيوف الهند مغمدة ـ السيوف  دم ـ تصافحت فيه بيض الهند واللمم ـ

ـ هزيمة العدو وفراره: فوت العد والذي يممته ظفر ـ في طيه أسف ـ عليك هزمهم ـ في  كل معترك ـ إذا أنهزموا ـ أنثنى هرباً ـ ظفر حلو ـ

ـ قوة الممدوح:

إلى المهابة ما لا تصنع البهم

قد ناب عنل شديد الخوف واصطنعت

ـ الفخر بالذات: ويحضر في أبيات من الصعب فصل وحداتها المعجمية عن سياق البيت.

ـ خير من تسعى به قدم ـ نظر الأعمى إلى أدبي ـ أسمعت كلماتي من به صمم ـ أنام ملء جفوني عن شواردها ـ حتى أتته يد فراسة ودم ـ  الخيل والليل والبيداء تعرفني ـ …………...........

2 ـ إواليات توليف المعجم:

ـ يمكن الحديث على المستوى النظري عن تقنيّات تتحكم في تشكيل المعجم الشعري لأي نص شعري، أي عن تقنيات كلية:

ـ عن طريق العموم والخصوص.

ـ عن طريق الترابط المقيد أو الحر..

ـ التعبير بالجزءعن الكل أو السبب عن المسبب.

إن هذه التقنيات قابلة للتطبيق على أي نص شعري، مع التفاوت الممكن في استجابة النصوص لها، ورغم استفادتنا من إواليات توليف المعجم، في تحليل معجم القصيدة، إلا أنّه من الضروري التأكيد على أن النص الشعري يجب أن يكون المنطلق الأول والوحيد لتطبيق أية تقنيات سواء كان أساسها نظري علمياً أو حدسياً ذوقياً،  حتى لا يسقط المحلل في سلبية التعسف على النص.

1 ـ عن طريق العموم والخصوص:

تعتبر هذه التقنية أساسية في توليف المعجم، فبواسطتها يمكن اختزال الوحدات المعجمية التي تشكل البنية الكلية للنص في كلمات محورية وعامة تتفرع عنها ألفاظ ذرية وثانوية، وسنحاول البرهنة على ذلك انطلاقاً من قصيدة المتنبي:

ـ بنية المدح:

يعتبر النصر بؤرة دلالية يتم التركيز عليها في بنية المدح التي تمتد من البيت الرابع إلى البيت الحادي عشر. ويستعمل  الشاعر وحدات معجمية ثانوية كلها تنتمي إلى الكلمة/ المركز: الظفر.

الظفر        : السيوف ـ العدو ـ الدم ـ هزمهم ـ انهزموا ـ ظفر ـ معتركاً ـ هرب ـ

إن الظفر وحدة معجمية ذات دلالة عاجلة استدعت كلمات أخرى ثانوية تفرعت عنها، لتعزز البعد الدلالي الذي يلح عليه الشاعر ويقصده، والذي يعرفه المتلقي بحكم تراكماته المعرفية عبر قنوات مختلفة ومتعددة.. فالظفر كنتيجة للحرب يستدعي مواجهة بين طرفين متقاتلين، وقد استعمل الشاعر لفظ العدوّ لتعيين الروم، وتفترض عناصر حربية: (الجيش، السيوف…).

ـ بنية العتاب:

من المفارقات الطريفة أن القصيدة التي تصنف  حسب الدراسات النقدية والشروح القديمة في العتاب. لا تحضر فيها كلمة (العتاب) إلا في البيت الأخير:

قد ضمن الدر إلا أنه كَلِِمُ

هذا عتابك إلا أنّه مِقَةٌ

ولعل ذاك راجع إلى استراتيجية معينة سلكها الشاعر وتتمثل في تقديم عناصر أطروحته متفرقة، قبل الإعلان عن الأطروحة المركزية في النهاية على شكل تلخيص واختزال لكل دلالات القصيدة السابقة، إن هذه المسألة لا تهمنا الآن بقدر ما تهمنا الإشارة إلى أن كلمة "عتاب" باعتبارها وحدة معجمية أساسية.. استدعت بدورها استعمال كلمات فرعية يمكن تصنيفها في الجدول التالي:

الكلمات الفرعية

الكلمة/ المحور

واحر قلباه ـ قلبه شبم ـ ومن بجسمي وحالي عنده سقم ـ أكتم حبّاً ـ تدعي حب سيف الدولة الأمم ـ ليت أنا بقدر الحب نقتسم ـ فيك الخصام وأنت الخصم والحكم.

العتاب:

ـ إن العتاب باعتبارها وحدة معجمية مركزية،  استدعت بدورها كلماتٍ أخرى لتميل على  تناسل دلالتها وتفريعاتها، وغالباً ما يصعب فصلها عن السياق نظراً للعلاقة التي تربط بين مختلف هذه الكلمات على مستوى الدلالة العامة، الشيء الذي يجعل فصل لفظ عن البيت لا يخدم مقصدية  التحليل،  وقد يؤدي إلى استنتاج مناقض لدلالة القصيدة…

الترابط والتداعي الحر:

الترابط والتداعي الحر إواليتان أساسيتان تتحكمان في معجم أي نص شعري، وكلما كان النص ذا قيمة إبداعية متميزة كلما ازدادت أهمية التداعي الحرفيه، وقلت أهمية الترابط، والعكس صحيح، على أنّ الشعر الذي يخرق العادات اللغوية، ويثور على أعرافها يهيمن عليه التداعي الحر". في حين أن الشعر الذي يقوم على الترابط غالباً ما ينقل إلى المتلقي دلالات يتوقعها وينتظرها نتيجة معارفه السابقة، ولابد من التركيز هنا على شكل التعبير، فالمعنى المألوف والعادي إذا صيغ صياغة شعرية متميزة يكتسب قيمة إبداعية متميزة.

ـ الترابط بواسطة التقابل:

ـ يتحكم الترابط التقابلي في الكثير من الوحدات المعجمية ونشير في البداية  إلى مواضعه في بعض أبيات القصيدة:

الترابط بواسطة التقابل

 

البيت الشعري

أكتم ـ تدعي

ـ 2 ـ

سيوف الهند مغمدة ـ السيوف دم.

ـ 4 ـ

في طيه أسف ـ في طيه زعم.

ـ 5 ـ

الخصم ـ الحكم

ـ 13 ـ

 الأنوار ـ الظلم .

ـ 15 ـ

أنام ـ يسهر

ـ 18 ـ

تطلبون ـ فيعجزكم

ـ 30 ـ

عرب ـ عجم

عتاب ـ متة

إن الترابط بواسطة التقابل نجده موزعاً في أبيات  عديدة من القصيدة، وهو ينسجم مع التناقض الوجداني الذي يشطر ذات المتنبي إلى أحاسيس متناقضة، كما ينسجم مع الفرق الجوهري الذي يسعى إلى رسمه ليشكل حداً فاصلاً بينه وبين حساده على مستوى الشاعرية والفروسية، وعليه فإوالية التقابل التقابلي تخدم مقصديته الشاعرية.

إن التقابل المعجمي في بنية القصيدة يخدم التناقض الوجداني الذي يميز نفسية الشاعر. ويؤدي الترابط بالتقابل وظيفتين أساسيتين:

الوظيفة الأولى    : دلالية تتحدد في تأكيد المعنى وتبليغه.

الوظيفة الثانية    : جمالية وتتمثل في أن التقابل بين الوحدات المعجمية يأسر المتلقي ويؤثر فيه، ولا ننسى أن المتنبي عندما نظم قصيدته كان يضع في عين الاعتبار المتلقي سواء كان سيف  الدولة أومجلسه الذي يضم خصومه والعلاقة بين الوظيفتين جدلية ومتداخلة.

هناك ملاحظة أخرى، لابد من إضافتها وهي أن التقابل المعجمي في القصيدة غالباً ما يرتبط إما بالشاعر أو الممدوح أو بهما معاً، ونادراً ما يتجاوزهما، إلى شخصيات أخرى… .

ـ التكرار:

ـ إن القصيدة تتضمن تكراراً ملفتاً للنظر لبعض الوحدات المعجمية على مستوى البيت الواحد، وقبل تحديد دلالة ذلك، ننطلق من الجدول التصنيفي التالي:

في العجز

 

في الصدر

موطن التكرار

البيت الشعري

-

++

قلباه ـ قلبه

1

+

+

حباً ـ حب

2

+

+

حب

3

+

+

سيوف

4

++

+

كان أحسن (2) الأحسن

5

++

-

في طيه ـ في طيه.

6

+

+

اصطنعتُ ـ تصنع

7

+

+

هزمهم ـ انهزموا

10

+

+

عليك ـ عليك

++

ظفر ـ ظفر

11

++

الشحم ـ شحمه.

13

++

جاهل ـ جهله.

18

+

+

الليث ـ الليث

19

++

ومهجةـ مهجتي

20

++

رجلاه ـ رجل

21

++

اليدان  ـ يد

++

أمركم ـ أمرنا

26

+

+

معرفة ـ المعارف.

28

+

+

عندي ـ عنده

31

+

+

ترحلت ـ فالراحلون.

34

+

+

شر ـ شر

35

++

قنصته ـ قنص.

36

انطلاقاً  من الجدول التصنيفي السابق نستنتج مايلي:

ـ إن تكرار وحدة معجمية بنفس اللفظ يكاد يكون خاصية أسلوبية تحضر في أغلب أبيات القصيدة.

ـ نسبة التكرار تنحصر في تواتر الكلمة مرتين في كل الأبيات التي يضمها الجدول باستثناء البيت الخامس الذي تتكرر فيه كلمة أحسن ثلاث مرات:

وكان أحسن ما في الأحسن الشيم.

فكان أحسن خلق الله كلهم

ـ يمكن تصنيف التكرار السابق إلى شكلين:

ـ الشكل الأول: متجانس على المستوى النحوي والموقع السيميائي، وتمثله الوحدات المعجمية التالية: قلباه ـ قلبه/ حباً ـ حب/ فكان أحسن ـ وكان أحسن/  في طيه ـ في طيه / عليك ـ عليك/ شر ـ شر …………………

ـ الشكل الثاني: تكرار غير متجانس نحوياً، لكنه يضم عنصراً مضافاً إلى غيره: الشحم ـ شحمه/ جاهل ـ جهله/ مهجة ـ مهجتي/ رجلاه ـ رجل/ قنصته ـ قنص/………………..

يحقق التكرار على مستوى البيت وظيفتين في القصيدة:

الأولى: دلالية، فالشاعر عندما يكرر وحدة معجمية بنفس اللفظ فإنه يقصد إلى الإلحاح والتأكيد على عنصر دلالي من عناصر الإرسالية، ونقله إلى المتلقي المباشر. ومما يعزز هذه الفكرة أن التكرار يقترن دائماً بالهواجس والأحاسيس الأساسية التي تدمن الحضور في البنية النفسية للشاعر. ويمكن تأكيد ذلك بواسطة الجدول التالي:

الوظيفة الدلالية

 

الوحدة المعجمية

ـ عدم التكافؤ في العلاقة بين الشاعر والممدوح.

ـ قلباه ـ قلبه/

ـ العتاب.

ـ حُباً ـ حب

ـ حب ـ حب

ـ تأكيد الذات على مستوى الفروسية.

ـ جاهل ـ جهله / مهجة ـ مهجتي

ـ نيوب الليث / رجلاه ـ رجل

ـ اليدان ـ يد/

ـ العتاب والتعريض.

ـ أمركم ـ أمرنا / معرفة ـ المعارف

عندي ـ عنده/ ترحلت ـ فالراحلون

شر ـ شر / قنصته ـ قنص.

إن تكرار الوحدة المعجمية الواحدة على مستوى البيت يؤدي وظيفة دلالية تختلف باختلاف مقصدية الشاعر، فهو تارة يدل على فتور العلاقة من جانب الممدوح وعتابه، وأخرى يوظف لتأكيد ذات الشاعر على مستوى الفروسية والشاعرية، وثالثة للحط من خصومه وإبراز دونيتهم.

بالإضافة إلى الوظيفة الدلالية للتكرار، فإنه يؤدي وظيفة جمالية تتحدد في مستويي الصوت والتركيب، وقد انتبه بعض النقاد إلى ذلك في نفس القصيدة التي تشكل موضوع هذا البحث. يقول عبد الله الطيب:

"وللمتنبي بعد في التكرار النغمي آيات لا تجارى، ويزيدها قوة على قوتها ما يحالفها من الأغراض الأخر الكثيرة غير مجرد الترنم، مما يراد إليه بالتكرار في الشعر الرصين الجزل". وبعد ذلك يورد خمسة أبيات من القصيدة تبتدئ من البيت الثاني إلى السابع، وهي التي تتكرر فيها لفظتا الحبّ والأحسن" بشكل مثير، ثم يعلق على ظاهرة التكرار تعليقاً ذوقياً وانطباعياً يعكس إعجابه به، مركزاً على موقعه في الأبيات، وفي الأخير ينهي كلامه قائلاً:

" ولا أحسب أن في الشعر العربي أمثلة كثيرة ترن فيها تفعيلات البسيط هذا الرنين المدوي المستتر في نفس الوقت وراء "تكرارات بارعة، شبيهة بالخطابية، يلقي بها الشاعر وكأنه غير مكترث.

والمتنبي يكاد يستطيع الإتيان بهذا النوع من التكرار الترنمي في كل بحر يرده وكل وزن يتعاطاه، وهو من هذه الجهة يربي على كلا البحتري وجرير، اللذين أكثر ما تجدهما يكرران في الوافر والكامل"

إن تكرار كلمة "حب" في القصيدة يرتبط بخاصية تميز مذهب المتنبي في الشعر، متمثلة في مخاطبته للممدوح، من الملوك مخاطبته المحبوب:

"ومن بدائع [المتنبيّ] أبي الطيب مخاطبته الممدوح من الملوك بمثل مخاطبته المحبوب والصديق مع الإحسان والإبداع، وهو مذهب له، تفرد به، واستكثر من سلوكه اقتداراً منه وتبحراً في الألفاظ والمعاني، ورفعاً لنفسه من درجة الشعراء، وتدريجاً لها إلى مماثلة الملوك"

 

التركيب:

الزمن النحوي:

ـ يشكل الزمن النحوي عنصراً أساسياً في أي نص شعري، لا يمكن الاستغناء عنه، لأن الأفعال الاجتماعية والأحاسيس الذاتية والمعاني الموضوعية لا تتم في فراغ، بل يقيدها تحديد زمني لا يخرج عن الحاضر أو الماضي أو المستقبل. وسندرس الزمن النحوي في القصيدة انطلاقاً من عدة عناصر جمالية ودلالية وتقنية صرفة، ولكننا نبدأ في البداية بخطوة أولية تتحدد في المستوى الكمي لمختلف الأزمنة ومحاولة رصده في بنية القصيدة.

المستوى الكمي:

على المستوى الكمي يمارس الماضي والمضارع حضوراً متساوياً تقريباً في القصيدة، فالقيام بعملية إحصائية بسيطة تؤكد أن الماضي يتكرر 37 مرة والمضارع، 35مرات.

الأفعال الماضية التي تتضمنها القصيدة هي:

ـ برى ـ قد زرته ـ نظرت ـ فكان ـ وكان ـ يممته ـ قد ناب ـ اصطنعت ـ الزمت ـ لو رمت ـ انثنى ـ تعرفت ـ انهزموا ـ تصافحت ـ استوت ـ ضم ـ نظر ـ أسمعت ـ أتته ـ مده ـ رأيت ـ أدركتها ـ سرت ـ ضربت ـ صحبت ـ تعجب ـ إن كان ـ سركم ـ ما قال ـ ترحلت ـ أرضاكم ـ لو رعيتم ـ أرى ـ لئن تركن ـ ودعتهم ـ وقد قدروا ـ قنصته ـ ضمن ـ

أما المضارع فيتوزع في القصيدة كالتالي:

أكتم ـ تدعي ـ يجمعنا ـ نقتسم ـ مالا تصنع ـ ليس يلزمها ـ لا يواريهم ـ ترى ـ أعيذها ـ تحسب ـ سيعلم ـ تسعى ـ أنام ـ يسهر ـ يختصم ـ فلا تظنن ـ يبتسم ـ تريد ـ يلتطم ـ تعرفني ـ يعز ـ نفارقهم ـ تطلبون ـ فيعجزكم ـ ويكره ـ تأتون ـ يزيلهن ـ يقتضيني ـ تستقل ـ ليعز علينا أن نفارقهم ـ يكسب ـ يصم ـ تقول ـ تجوز  ـ

إن حضور الماضي والمضارع لا يمكن إدراك دلالته الوظيفية والجمالية في النص إلا بإعادة ترتيبه من جديد وفق رؤية خاصة. وأول عملية سنقوم بها هو تصنيف الزمنين  النحويين تبعاً للجهة التي يحيلان عليها، وسنكتفي بالشاعر والممدوح.

الجهة التي يحيل عليها الزمن النحوي:

الشاعر.

 

الزمن النحوي:

برى ـ قد زرته ـ نظرت إليه ـ رأيت ـ أدركتها ـ سرتُ ـ ضربت ـ صحبتُ ـ ودعتهم ـ قنصته ـ أرى ـ

ـ الماضي:

أكتم ـ يجمعنا ـ نقتسم ـ أعيذها ـ تسعى ـ أنام ـ يبتسم ـ تعرفني ـ يعز علينا ـ نفارقهم.

ـ المضارع:

الممدوح

 

الزمن النحوي:

فكان ـ وكان ـ يممته ـ ألزمت ـ لو رمت ـ إن كان سركم ـ أرضاكم ـ لو رعيتم ـ

ـ الماضي:

ترى ـ تحسب ـ تطلبون ـ فيعجزكم ـ تأتون ـ

ـ المضارع:

إن استقراء الماضي والحاضر في القصيدة يؤكد حقيقة مهمة هي أن الشاعر والممدوح يحتكران أغلب أفعال الزمنين النحويين السابقين إما بكيفية مباشرة أو غير مباشرة. وهذا يؤكد أن القصيدة تتوزعها على المستوى الدلالي ثنائية الشاعر/ الممدوح.

ـ يحضر الماضي بشكل مكثف في بنيتي المدح والعتاب، في حين يتكثف المضارع في بنية الذات. وهذا التباين في توزع الزمنين النحويين  ليس اعتباطياً ولكنة ذو دلالة مهمة سنحاول الكشف عن عناصرها.

المدح طقس رسمي لا بد منه، وإلا فما الداعي لإنشاد القصيدة أمام سيف الدولة، وهذا ما يفسر عدم إنشاد القصائد التي تتغنى بهموم الذات وعوالمها أمام الممدوح في الشعر العربي كله تقريباً وفي شعر المتنبي، المهم هذه إشكالية أخرى لن نطيل الوقوف عندها.

قلنا إن المدح تفرضه طقوس رسمية، في حين أن الحوافز الكامنة خلف نظم القصيدة ذاتية محضة، لا ترتبط بالممدوح، لذلك التجأ الشاعر إلى معاني مستهلكة في غرض المدح ليثبتها في بداية القصيدة، مستعملاً  الماضي بكثافة لافتة للنظر، والماضي كزمن نحوي وظفه الشاعر في تأكيد مدح ماضوي على مستوى الدلالة وعلى مستوى الزمن التاريخي والاجتماعي، فالمتنبي يحيل على معانٍ مستهلكةٍ في الشعر العربي وفي شعره، كما أن الحرب التي يوثقها نصه تنتمي إلى الماضي، والأهم من ذلك أنها ليست الحافز المباشر لنظم القصيدة، بل قفزت إلى الذاكرة زمن النظم ولحظة الكتابة.

إن الماضي يوظف في بنية المدح لتأكيد ماضوية مسلمتين، تتحدد أولاهما في طقوس المدح وما تتطلبه من ضرورة حضوره في القصيدة، وثانيتهما تتحدد في طقوس الدلالة التي تفرضها مدونة  الغرض.

وقد استعمل الشاعر الماضي في بنية الفخر أو الذات لتحقيق مقصديته التي تختلف عن مثيلتها في بنية المدح، والمحددة في تأكيد تفوقه المطلق على مستوى الشاعرية والفروسية يقول المتنبي:

وأسمعت كلماتي من به صمم.

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

يؤكد الماضي مسلمة لا تناقش ـ حسب منطق الشاعر ـ وهي تفوقه على مستوى الشاعرية، فالماضي يوهم المتلقي بأن الدلالة محدودة في زمن مُنّسّي، وسابق لزمني النظم والإنشاد. ونفس الوظيفة التي يؤديها  الماضي في بنية الذات على مستوى الشاعرية يؤديها في نفس البنية على مستوى الفروسية، ونمثل لذلك بالأبيات التالية:

حتى أتته يد فراسة ودم.

ـ وجاهٍلٍ مده في جهله ضحكي

أدركتها بجواد ظهره حَرمُ

ـ ومهجة مهجتي من هم صاحبها

وفي بنية العتاب يوظف الشاعر الماضي عند إثارته لإنصات الممدوح لكلام الوشاة والحساد:

فما لجرح إذا أرضاكم ألم

إن كان سركم ما قال حاسدنا

إن المعارف في أهل النهى ذمم.

وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة

فالماضي هنا يحيل على ماضٍ آخر في حياة الشاعر وفي علاقته بسيف الدولة، يرتبط بوشاية الحساد، وقد وظف الشاعر الماضي حتى يعطي للعلاقة المتوترة بينه وبين الممدوح طابع الماضوية، رغم أن هذا التوتر مازال مستمراً، وحتى لا يغضب الممدوح موهماً إياه أن ما وقع ينتمي إلى الماضي.

هذه إذن أمثلة مختلفة تنتمي إلى البنيات الثلاثة التي تتشكل منها القصيدة (بنية الممدوح، بنية الفخر، بنية العتاب)، وكلها تؤكد أن الشاعر يوظف الماضي للتعبير عن مقصديات مختلفة، فالزمن النحوي، ثابت لكن الدلالة التي يحيل عليها تشهد تحولات جوهرية يثبتها السياق.

ـ العلاقة بين الزمن النحوي والزمن التاريخي والاجتماعي:

إن الزمن ليس نحوياً فقط،  ولكنه اجتماعي وتاريخي، قد يكون محدداً، وقد يكون مطلقاً، بلا بداية وبلا نهاية. وسنحاول دراسة العلاقة بين الزمن النحوي والزمن التاريخي والاجتماعي في القصيدة، انطلاقاً من ثنائية التجانس/

وفي البداية نشير إلى ملاحظتين منهجيتين أساسيتين:

الأولى: إن الزمن النحوي في اللغة العربية قد يتجاوز دلالته الأصلية للدلالة على زمن آخر.

الثانية: الزمن النحوي في الخطاب الشعري يجب تحديده انطلاقاً من سياق القصيدة.

1 ـ التجانس بين الزمن النحوي والزمن التاريخي والاجتماعي:

تتحدد العلاقة الأولى بين الزمن النحوي والزمن التاريخي والاجتماعي في علاقة الانسجام، أي أنهما يتطابقان ولا يتقاطعان. وسنختار أمثلة تؤكد هذه الفكرة من مختلف  بنيات القصيدة.

إن الأفعال الماضوية في بنية المدح تعكس التطابق بين الزمن النحوي والزمن التاريخي والاجتماعي، هذا الأخير يتمثل في إحدى حروب سيف الدولة ضد الروم، وهذه الحرب سابقة على زمني النظم والإنشاد، لكنها تقفز إلى ذاكرة الشاعر ليوثقها في صورة الممدوح المنتصر في "الظفر  الحلو". وهكذا نحصل على المعادلة التالية:

الزمن التاريخي والاجتماعي

الزمن النحوي

الحرب

أفعال ماضوية

الماضوية ο   علاقة انسجام π الماضوية

وإذا كانت الأفعال الماضوية تحيل في بنية المدح بصفة عامة على زمن تاريخي واجتماعي مُنْتَهٍ ينتمي إلى الماضي، فإن نفس الشيء يتكرر في بنيتي العتاب والفخر مع وجود بعض الفروق سنشير إليها في حينها.

في سياق تعرضه لإعراض الممدوح عنه وإنصاته لكلام الوشاة، يستعمل الشاعر الماضي الذي يحيل بدوره علىحدثٍ ماضٍ:

فما لجرح إذا أرضاكم ألم

إن كان سركم ما قال حاسدنا

إن المعارف في أهل النهى ذمم

وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة

فالماضي ينسجم مع الحدث الذي يحيل عليه الشاعر، إلا أن البيتين يحتملان أيضاً ولو بكيفية محدودة الدلالة على الحاضر والمستقبل، لأن الشاعر ما زال يعاني في حاضره من تصرف ممدوحه السلبي.

وإذا انتقلنا إلى بنية الذات نجد عدة أبيات تؤكد هذا الانسجام بين الزمن النحوي والزمن التاريخي والاجتماعي، وقد سبقت الإشارة إلى بعض الأبيات التي تعكس هذا الانسجام، وسنكتفي بالبيت الموالي كنموذج:

وأسمعت كلماتي من به صَمَمُ

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

الشاعر يقصد إلى تأكيد حقيقة منتهية لا تناقش ولا مراء فيها، متمثلة في شهرته الأدبية المتميزة، والتي يشهد الواقع بتحققها.

ب ـ علاقة الانقطاع بين الزمن النحوي والزمن التاريخي والاجتماعي:

ـ المضارع مادل على معنى في نفسه مقترن بزمان يحتمل الحال والاستقبال، هذا حده في كتب النحو، إلا أن المضارع في قصيدة المتنبي، قديدل على الماضي أيضاً، بالإضافة إلى دلالته على الحال والاستقبال، انطلاقاً من سياق القصيدة.

وسنكتفي ببعض النماذج التي تؤسس علاقة التقاطع بين الزمن النحوي والزمن التاريخي والاجتماعي كما يجسده المضارع.

يقول الشاعر:

وتدعي حب سيف الدولة الأمم

مالي أكتم حباً قد برى جسدي

فليت أنا بقدر الحب نقتسم.

إن كان يجمعنا حب لغرته

فالمضارع في البيتين السابقين، لا يحيل على الحال أو الاستقبال فقط، ولكنه يحيل على إحساس نفسي تمتد مرارته في ماضي الشاعر على المستوى النفسي، وليس وليد لحظة النظم أو الإنشاد، إنه سابق عليهما، ويبدأ منذ أن تلقى الشاعر نبأ  التحامل عليه في مجلس سيف الدولة من طرف حساده وخصومه، والبيتان معاً يتضمنان قرائن تؤكد دلالة المضارع على الماضي. ففي البيت الأول يشير الشاعر إلى أنه يخفي حباً "قد برى جسده"، وبرى فعل ماضي، يدل على الأثر السلبي الذي خلفه كتمانه لحب سيف الدولة على مستوى بنيته النفسية، ولا يمكن للكتمان أن يدل على الحاضر، في حين أن ما تسبب فيه ينتمي إلى الماضي، هذا من الناحية المنطقية.

كما أن البيت الثاني يتضمن بدوره قرينة لفظية متمثلة في فعل "كان" المسبوق بأن، وهكذا نستنتج أن المضارع في البيتين يدل على الماضي أيضاً بالإضافة إلى دلالته على الحاضر والمستقبل.

يقول الشاعر في موضع آخر:

ويسهر الخلق جراها ويختصم

أنام ملئ جفوني عن شواردها

…………………………….

والسيف والرمح والقرطاس والقلم.

الخيل والليل والبيداء تعرفني

يوهم الشاعر القارئ، ـ المتلقي أن البيتين يحيلان على المضارع، في حين أنه يقصد الدلالة على الماضي كذلك، لأننا إذا أخذنا بحد النحويين للمضارع، فإن الدلالة ستفقد منطقها الخاص، فالشاعر لا يقصد أن ينام ملء جفونه عن شواردها في الحاضر أو المستقبل، بل في الماضي مع إمكانية استمرار الدلالة لتشملهما، وإذا رجعنا إلى القصيدة نجد أن البيت الأول مسبوق ببيت كل أفعاله ماضوية، ليس هذا فحسب بل يشترك معه في الدلالة، فهو استمرار للمعنى  الذي يتضمنه، هذا البيت:

وأسمعت كلماتي من به صَمَمُ

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

هذه إذن بعض الأبيات الشعرية التي تعكس علاقة الانقطاع بين الزمن النحوي والزمن التاريخي والاجتماعي.

وهناك أبيات في القصيدة يغيب فيها الزمن النحوي نهائياً وهي:

ومن بجسمي وحالي عنده سقم.

واحر قلباه ممن قلبه شبم

فيك الخصام وأنت الخصم والحكم.

ـ يا أعدل الناس إلا في معاملتي

أنا الثريا وذان الشيب والهرم.

ـ ما أبعد العيب والنقصان من شرفي

فالأبيات السابقة يلقيها الشاعر إلى ذهن المتلقي دون تحديد هويتها الزمنية، ليوهمه بزمنها المطلق الذي لابداية ولا نهاية له، إلا أن زمنها الحقيقي يبدأ بتوتر العلاقة بين الشاعر والممدوح، ولا نملك معطيات تاريخية وتوثيقية لضبطها بدقة.

إن التناقض الوجداني بلغ قمته الانفعالية، حتى أفقد الشاعر القدرة على تحديد زمن دلالة الأبيات. ليخرج من المحدد إلى اللانهائي، من الزمن إلى اللازمن، إنه يريد أن يمنح المعنى استمرارية في كل الأزمنة، وجوازاً غير قابل للتبديل.

ويمكن أن نصنف الأبيات السابقة انطلاقاً من الدلالة والإحساس والزمن كالتالي:

الزمن النحوي

الدلالة

الإحساس

غائب

العتاب/ الفخر ـ

التناقض الوجداني

ـ الإطلاق ـ

ـ الإطلاق ـ

الإطلاق

ـ الوظيفة الجمالية للزمن النحوي:

يؤدي تباين الأزمنة النحوية في النص إلى تحقيق وظيفة جمالية، تزيد أهميتها أو تضعف، حسب قيمة النص على المستوى الإبداعي، وحسب قدرة الشاعر على التحكم الإيجابي في تنويعها أو تجانسها، وسنقتصر على بعض الأبيات للبرهنة على الوظيفة الجمالية للأفعال، انطلاقاً من الجدول التصنيفي التالي الذي يرتكز على ثنائية الانقطاع/ الانسجام كإجراء منهجي.

تقاطع الزمنين

تجانس الماضي

تجانس المضارع

2-3-7-8-11-15-19-33-34-

4-5-6-9-10-14-16-18-20-22-24-27-28-36-38-

13-17-21-23-25-29-31-37-32-

ـ على المستوى الكمي نلاحظ كثرة الأفعال الماضوية المتجانسة على مستوى البيت، بغض النظر عن عدد الأفعال  التي تدخل في علاقة التجانس فقد تصل إلى ثلاثة وتتقلص إلى فعل واحد، ويكاد يتساوى تجانس المضارع مع تقاطع الزمنين.

ـ يمارس المضارع حضوراً متميزاً وكثافة واضحة في التقاطع بين الزمنين، بالمقارنة مع الماضي.

هذه إذن ملاحظات تقنية محضة، والآن ننتقل إلى الوظيفة الجمالية للأفعال سواء كانت ماضية أو مضارعة، ونبدأ بالأولى:

ـ تجانس الماضي:

يستعمل الشاعر  الماضي استعمالاً متعدد الأشكال، ومن أهمها استعماله له كعنصر في التعادل النحوي: grammatical le para llιlume ، بمعنى أن الفعل الماضي في الشطر الأول يدخل في علاقة تركيبية مع مثيله في الشطر الثاني، عن طريق تعادلهما النحوي، والأبيات التالية تؤكد ذلك:

وقد نظرت إليه والسيوف دم.

ـ قد زرته وسيوف الهند مغمدة

وكان أحسن مافي الأحسن الشيم.

ـ فكان أحسن خلق الله كلهم

وأسمعت كلماتي من به صمم.

ـ أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

إن الوظيفة الجمالية للأفعال الماضوية في الأمثلة السابقة تتحدد في العناصر التالية:

ـ تحتل مواقع متشابهة في بنية البيت الشعري (فعل في بداية الصدر وآخر في بداية العجز)، والثاني يحيل المتلقي على الأول، بواسطة الترابط التعادلي بينهما.

ـ تدخل الأفعال الماضوية في التعادل النحوي الذي يميز البنية التركيبية والنحوية للأبيات السابقة، وهو أكثر وضوحاً في البيت الأول، وبذلك تحقق رتابة تركيبية ونحوية توقع رتابة جميلة تأسر المتلقي.

يمكن إذن أن نختزل الوظيفة الجمالية للأفعال الماضوية في عنصرين: طبيعة موقعها في بنية  البيت الشعري، ودورها في التعادل النحوي.

يوظف الشاعر تجانس الماضي في أبيات أخرى توظيفاً لا يخلو من جمالية، سنحاول البرهنة عليها انطلاقاً من البيتين التاليين:

حتى أتته يد فراسة ودم.

ـ وجاهل مده في جهله ضحكي

حتى تعجب مني القور والأكم

ـ صحبت في الفلوات الوحش منفرداً

يتشابه البيتان على مستوى البنية التركيبية والنحوية، والذي يهمنا هو الأفعال الماضوية التي تتشابه موقعاً وتركيباً.

مَدَّهُ ـ حتى أتته / صحبت ـ حتى تعجب.

فالماضي في الشطرين الأولين من البيتين، ينقل إلى المتلقي دلالة معينة توهمه باستمراريتها وديمومتها في الشطر الثاني، إلاّ أن الشاعر يستعمل الماضي المسبوق بحتى ليوقع دلالة جديدة تحقق وجودها على حساب دلالة الشطر الأول، وتحد من مدها الدلالي، وهذه الفكرة تبدو أكثر وضوحاً في البيت الأول:

حتى أتته يد فراسة ودم.

وجاهل مده في جهله ضحكي

ـ تجانس المضارع:

ـ يوظف الشاعر تجانس المضارع لتحقيق دلالات  معينة، لكن ما يهمنا هو البعد الجمالي، بالدرجة  الأولى، ولا داعي لتحديده في كل الأبيات تلافياً للتطويل:

يقول الشاعر:

ويسهر الخلق جراها ويختصم

أنام ملء جفوني عن شواردها

فجمالية المنظوم تتحدد في التقابل بين "أنام" و"يسهر" على مستوى الدلالة، كما تتحدد في كثافة حضوره في البيت: أنام، يسهر، يختصم، وهذا الحضور المكثف يضفي على البيت حركية دلالية، ونصادفه في بيت آخر:

ويكره الله ما تأتون والكَرّمُ

كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم

فهناك تقابل دلالي بين "تطلبون" و"يعجزكم"،، بالإضافة إلى تواتر المضارع أربع مرات:تطلبون ـ يعجزكم ـ ويكره ـ تأتون، وهو موزع بالتساوي بين شطري البيت، والشاعر  في المثالين السابقين يحاول أن يحد من رتابة التكرار على مستوى الزمن النحوي بتحولات الدلالة.

إذا انتقلنا إلى التقاطع بين الأزمنة النحوية، والذي يحضر في أبيات سبق تحديدها بواسطة الأرقام التي تحيل عليها، (2-3-7-8-11-15-19-33-
34)، نجد أنه يحد من رتابة الزمن الواحد التي يمارسها المضارع والماضي، كما يحدث تنويعاً وتحولاً في دلالة القصيدة.

ـ الضمائر:

ـ تحضر الضمائر بشكل مكثف في القصيدة، وتحيل على جهات متعددة (الإنسان ـ الطبيعة ـ بكل مكوناتها، الأشياء….)، لكننا سنركز في تحليلنا على الضمائر التي تحيل على الأشخاص، وبالتحديد سيف الدولة والشاعر، محاولين الكشف عن مختلف دلالاتها في النص.

ـ ضمائر الأشخاص: الشاعر والممدوح:

ـ يمكن تضيف الضمائر التي تحيل على الشاعر انطلاقاً من عناصر موضوعاتية وتركيبية، وهكذا نحصل على التصنيف التالي:

ـ البنية النفسية والجسدية: ـ قلباه ـ مهجتي ـ وجداننا ـ حالي ـ جسدي ـ  جفوني ـ ضحكي ـ راحتي .

ـ القيم والعلاقة الإنسانية: معاملتي ـ حاسدنا ـ شرفي.

ـ الشعر: أدبي ـ كلماتي ـ

ـ تضخيم  الأنا : يجمعنا ـ أنا ـ مجلسنا ـ علينا ـ وجداننا ـ أخلقنا ـ أمرنا ـ حاسدنا ـ وبيننا ـ لنا ـ ميامننا ـ

ـ أما الضمائر التي تحيل على الممدوح فيمكن تصنيفها حسب الشكل التالي:

ـ الفراق : نفارقهم ـ بعدكم.

ـ الإحساس: سركم ـ أرضاكم.

ـ الفعل الاجتماعي: تطلبون ـ تأتون ـ يعجزكم ـ

ـ المخاطب الجمعي: سركم ـ أرضاكم ـ تطلبون ـ تأتون ـ بعدكم ـ يعجزكم ـ نفارقهم.

انطلاقاً من التصنيف السابق يمكن تسجيل مجموعة من الاستنتاجات:

ـ إن أول ملاحظة هي أن الشاعر يضخم ذاته بشكل ملفت للنظر، وذلك باستعماله ضمير المتكلم الجمع للتعبير عن نفسه، وينسجم هذا الشكل التعبيري على مستوى التركيب مع البعد الدلالي للقصيدة الذي يقوم على تأكيد الذات الشاعرة على مستوى الشاعرية والفروسية، كما يعكس طبيعة شخصية المتنبي المتعالية.

ـ يسوي المتنبي بينه وبين سيف الدولة على مستوى ضمائر الجمع، خارقاً بذلك مقولة مراعاة المقام للمقال، التي سنها النقد العربي القديم.

    ومخاطبته الممدوح بضمير الجمع المخاطب يؤكد نوعية العلاقة الحميمية التي تربط بينهما..

ـ ترتبط الضمائر في القصيدة بالأحاسيس والهواجس الأساسية التي تسكن البنية النفسية للمتنبي، وتحتل علاقته المتوترة بسيف الدولة مكانة مهمة وخاصة في هذا السياق، والقصيدة منذ بدايتها تعلن حضور الضمائر بشكل مكثف..

ومن بجسمي وحالي عنده سقم

واحر قلباه ممن قلبه شبم

وتدعي حب سيف الدولة الأممِ

مالي أكتم حباً قد برى جسدي

فليت أنا بقدر الحب نقتسم.

إن كان يجمعنا حب لغرته

فالضمائر توظف هنا للتعبير عن التناقض الوجداني الذي يمزق شعور المتنبي بسبب عدم تكافؤ العلاقة بينه وبين الممدوح، وجاءت الضمائر لتعكس ذلك:

(قلباه، قلبي، بجسمي، جسدي، يجمعنا، أنا)، فأغلب الضمائر تعود على الشاعر، لتقدم صورة رائعة عن عناصر إحساسه.

إن استعمال الضمائر التي تحيل مباشرة على الشاعر تدعم المنحى الدلالي للقصيدة، فهي ترتبط بأهم عناصر مقصديته والتي سبق تصنيفها في بداية التحليل انطلاقاً من الضمائر وهي: البنية النفسية والجسدية، القيم والعلاقة الإنسانية، تأكيد الذات، الشعر.

ـ أما الضمائر المرتبطة مباشرة بالممدوح فتحيل على أهم عنصر سلبي فيه وهو إنصاته للوشاة والحساد، لتتوزع بعد ذلك على الفعل الاجتماعي، والفراق، والتعريض.

 

www.omaraltaleb.com